جاء الشتاء بغيمه متحجبا

جاءَ الشِّتاءُ بِغَيْمِهِ مُتَحَجِّباأهلاً بِسُلْطانِ الفُصُولِ ومَرْحَبا
أعْظِمْ بِهِ مَلِكاً عَلَيْهِ مَهابَةٌعَمَّتْ كتائِبُهُ الأباطِحَ والرُّبا
فَصْلٌ تَوزَّعَ كُلُّ فَصْلٍ فَضْلَهُفَنَما وآنقَ حُسْنُهُ أو أخْصَبا
فإذا الرَّبيعُ تَبَرَّجتْ أنوارُهُوتأرَّجَتْ أسحارُهُ وتَطَيَّبا
وجَلا حُلى الزَّهرِ النَّضِيرِ مُدَبَّجاًومُدَمْلَجاً ومُفَضَّضاً ومُذَهَّبا
فَتَرى انِفتاحَ الوَردِ خَدّاً أحمراًوتَرَى ابتِسامَ الزَّهرِ ثَغْراً أشْنَبا
وهَفَتْ قُدودُ القُضْبِ هَفوةَ مُنْتَشٍلَمْا سَقاها الطَّلُّ ريّاً مُحْسِبا
وعَلَتْ عَلى شُمِّ الغُصونِ طُيورُهاتَشدوكَ سَجْعاً مُشْجيا أو مُطْرِبا
وتَسَرْبَلَ النَّهرُ المُطيفُ بِدِرْعِهِلَمّا انْبَرَتْ لقِراعِهِ خَيْلُ الصَّبا
والوُرْقُ تَشْدو والغَدِيرُ مُصَفِّقٌوالقُضْبُ تَرْقُصُ والزَّمانُ استَعْتَبا
وأتى المَصِيفُ بإثْرِهِ مُتَقَيِّلاًآثارَهُ في الفَضْلِ نَدْباً مُخْصِبا
فَكَسا الوجودَ ثِيابَ دفءٍ واغْتَدىيُسْدي الهِباتِ مُشَرِّقاً ومُغَرِّبا
يُهْدِي مِنَ الثَّمراتِ كُلَّ طَرِيفَةٍويُنيلُ مِنها كُلَّ شيءٍ يُجْتَبى
وأتى الخَرِيفُ بإثْرِ ذاكَ مُعاوِداًحُسْنَ الرَّبيعِ وطِيبَهُ المُسْتعذَبا
فَوَشى ثِيابَ الرَّوضِ مِنْ أوراقِهِوَشْياً تَنوَّعَ صِبْغُهُ وتَنَسَّبا
وسَرَى النَّسيمُ مَعَ الصَّباحِ مُبَشِّراًبِدُنوِّ إقْبالِ الشِّتاءِ مُرَحِّبا
وتَقَهْقَهَتْ وُطْفُ الغَمامِ بِرَعْدِهالَمَّا تَبَيَّنَتِ البُروقَ تَطَرُّبا
وتَتابَعَتْ كُلُّ الفُصول بِنسْبَةٍحَتَّى تَكَمَّلَ حُسْنُها وتَرتَّبا
فَمِنَ الشِّتاءِ قِوامُ ذاكَ وحُسْنُهُوبِما أنال مِنَ الحَيا وبِما حَبا
كُلٌّ بِقَدْرِ مِثالِهِ مِنْ وَبْلهِأسْدَى وأبْدَى بَهْجَةً وتَهذَّبا
والحقُّ يَشهدُ أنَّ عَقْدَ نِظامِهاومِلاكِها كانَ الغَمامَ الصَّيِّبا