كل ما تبتغيه منا الحياة

كل ما تبتغيه منا الحياةهو أن لا تصيبها النكبات
وهي إن نابها الأذى فتمادىلم يطل للايلاف منها الشكاة
حسبها أن تكون بين تضاعفأذاها في ساعة لذات
إنها وحدها السعادة إلاأنها ما لها طويلا ثبات
إنما في الحياة جمع لما شت وفي الموت للجميع شتات
غير أن الحياة ليس سواءفهي أما نعم وأما أذاة
ولها أن راقبتها من قريبحسنات ومثلها سيئات
حبذا لو كانت لصاحبها قدغلبت سيئاتها الحسنات
أنا راض عنها وان تك قد حاقت أخيراً منها بي الويلات
طب بعيش به الحياة تجودإنها إن تصرمت لا تعود
أغتنمها فأنت بعد قليلجثة تحتوي عليها اللحود
حبذا أحلام الحياة حساناًوالأماني جمة والوعود
إنما في الهواء طلقاً لمن يحيا وفي نور الشمس عيش رغيد
والذي يسمع العنادل تشدوويرى أزهار الربيع سعيد
أنت في مخصب من العيش ترعىقل فماذا من بعد هذا تريد
كل ما يبسط الحياة صديقلك أما ما غمها فلدود
ولقد لا تسر شيخاً حياةهو منها ذاك القريب البعيد
وإذا ما مللت أرضاً ومنهاسرت تبغي أخرى فأنت الرشيد
كل شيء إذا نزلت بلاداًلم تطأها قبلا فغض جديد
لا تقل للجمال في الأرض حدليس في الأرض للجمال حدود
أبصر الدوح انه فينانوانظر الزهر انه فتان
وارمق المورقات خضراً جلاهن من الليل عارض هتان
واسمع الورق فوق أفنانها الملدتغني كأنهن قيان
ليس ما تبصر العيون بأبقىروعة مما تسمع الآذان
وكأن الرعد الملعلع ليلاهو ضحك الطبيعة الرنان
وكأن البرق الملألئ فيههو للحسن باسما عنوان
وكأن النجوم حين تراهالؤلؤ في السماء أو مرجان
وكأن الصباح ساعة يبدومسفراً خود جسمها عريان
وكأن الشمس المضيئة تنور تلظى في جوفه النيران
كأن الأشياء بعد جفاءقد أرادت أن يسعد الإنسان
اعترت نفسي هزة الأفراححينما بان لي بياض الصباح
ولقد كان قبله الليل يدجوقابضاً للقلوب والأرواح
وتلوح النخيل في عدوتي دجلة للناظرين كالأشباح
وعليها الحمام يهتف شجواًولعل الهتاف صنو النواح
حبذا الصبح ماسحاً لظلامالليل عن حر وجهه الوضاح
وكأن الصباح عذراء فكتعن نصيع قد بض زر الوشاح
ثم مرت بالروض تنصت فيهلأغاريد البلبل الصداح
بسمت للاقاح بعد سلامواحتفت بالجورى بعد الاقاح
أخذت قبضة من النور فياضاً وألقت به على الأدواح
ما زمان الشباب إلا ربيعفيه نور يزهو ونبت يضوع
طلعت للسرور فيه نجومثم غابت عني فعز الطلوع
وكأن الشباب للجذل الدائم واللهو والهوى ينبوع
لم يزل بي إلى الشباب وأيام له قد ذهبن عنه نزوع
حبذا لو يكون لي بعد أنولى شبابي يوما إليه رجوع
ما أحب الحياة عندي وان كانت بأحشائي اليوم منها صدوع
إنها لا تزال مالكة تأمرني أن أطيعها فأطيع
هي أفراح مرة وهموموابتسامات تارة ودموع
لم يحبب إلى عيشي إلاأمل غامض الحدود وسيع
كل ما حف بالحياة جميلغير أن البقاء فيها قليل
شجر باسق تغنى طيورفوق أفنانه وظل ظليل
وعلى مقرب من الدوح يجري جدول سكب ماؤه سلسبيل
وبساط نسيجه الزهر قد جرت عليه من الرياح ذيول
تطلع الشمس في الصباح فتعلوفي سماء زرقاء ثم تميل
فإذا ما علت يسر غدووإذا ما مالت يطيب الأصيل
نحن لولا الحياة كنا جماداًما له إحساس ولا معقول
ولعل الجمال في النفس مناوبها للخفاء عنه ذهول
وكأن الأشياء قد خلقت ليغير أني عنها بها مشغول
يا حياتي أنت الحقيقة عنديفيك حتى أموت نحسي وسعدي
أيها الليل إنني من مكانيلسلامي إلى نجومك أهدي
أيها البدر كنت تطلع قبليأيها البدر سوف تطلع بعدي
أيها البرق في السحاب تألقأنت سيف مجرد ذو فرند
أيها الصبح أنت أجمل شيءلسروري جماً يعيد ويبدي
أيها اليوم موسم أنت فخمشغل الناس بين أخذ ورد
أيها الشعر أنت أشجى غناءأنا فيه أبث صادق وجدي
ليس شعر يقوله شعراءقلدوا من تقدموهم بمجدي
إنما الشعر ما إذا انشدوهكان يستنهض الشعوب ويهدي
أو أثار الشعور في سامعيهمثل لحن من ذي أغاني يشدي
ولقد عاب القوم في سربهم أنني إذا ما طاروا معاً طرت وحدي
سبقت لي سعادة وشقاءفي حياتي وضحكة وبكاء
ولقد هونت على النفس منيقبل هذا ضراءها السراء
غير أني وهنت في كبري عنحمل ما كلفتني الأعباء
ثم إني ما زلت صباً بهايغلبني يأس تارة ورجاء
إنني لم أزل أشاء بقائيغير أن الأيام ليست تشاء
ذهب الصيف والربيع سريعين وجاء الخريف ثم الشتاء
وخبت للشقاء ناري إذا البرد قريس وليلتي ليلاء
وسألقى منيتي عن قريبإنني من لقائها مستاء
ما لنفسي تخشى لقاء المناياولماذا يروع هذا اللقاء
أ لأني إذا هلكت عداتيكل ما قد أحبت الحوباء
وإذا الأرض في غد بلعتنيلا تراني ولا أراها السماء
أبعدوا عني كل شيء فإنيإن أمت لا تفيدني الأشياء
أيها الموت إنما أنت آتيأنت يوماً مجردي من حياتي
أيها الموت أنت من بعد حينمخرجي من نورٍ إلى الظلمات
أيها الموت فيك بعد قليلأيها الموت تنتهي حركاتي
ما حياتي ألا كسلسلة أنت ستأتي في آخر الحلقات
وسيأتي يوم سأحرم فيهكل ما في الحياة من طلبات
وسيبلى في جوف قبري جسميوستفني ذاتي وتفني صفاتي
أنا من بعد ما سأهبط قبريتتساوى عيشتي وغداتي
أيها الموت أنت حزن لأصحابي جميعاً وبهجة لعداتي
أنت للبعض من اجل الرزاياولبعض من أكبر الحسنات
كم بطفل فجعت أما رؤوماوفجعت الأبناء بالأمهات
كم تخرمت بين زمر ورقصليلة العرس من فتى وفتاة
عبثاً قد حاولت أن لا أموتاعبثاً قد رفعت حولي البيوتا
عبثا قد جمعت خوف ضياعكل ما كان من أموري شتيتاً
بعد تلك المسومات عراباًليس بدعاً أن اركب التابوتا
ينكر العقل أن تدوم حياةقد تقصي كتابها الموقوتا
وهو بعد اختباره موشك أنيتعدى في جحده الملكوتا
قد بدت لي حقائق غير إنيشئت عن ذكر ما بدا لي السكوتا
حان لي أن أردى فتحمل نفسيمعها أسراراً ثبتن ثبوتا
حيثما التفت أشاهد أماميشبح الموت مشبهاً عفريتا
فأرى النار في يد تتلظىوأرى السيف في يد أصليتا
أيها الموت إنما أنت قاسيأيها الموت رافة بالناس
أيها الموت ما لخطبك إن حاق مرد ولا لجرحك آسى
تعتري الناس إن مررت عليهموقفة في القلوب والأنفاس
طالما قد أقمت في ردهة الدار المناحات موضع الأعراس
ونقلت الذين عاشوا بنعممن قصور شمٍ إلى الارماس
وكأني إذا هلكت جمادلم يكن لي شيء من الإحساس
بي لا تمشي بعد ذلك رجليفوق ارض ولا يفكر رأسي
ما لما قد بنيته من صروحللأماني فخمة من أساس
أنت يا موت بالجميع تحيقما نجا حتى اليوم منك رفيق
أنت تستهوي كل فرد فيغفيوإذا ما أغفى فلا يستفيق
رب حر إذا تجاهر بالحق يقولون كافر زنديق
أيها الموت استبقني للقوافيأنا يا موت بالبقاء خليق
ليس بي نازعا إلى الهلك يوماًنسب لي في الهالكين عريق
لست أدري إذا اتبعتك في سيري إلى أين بي سيفضي الطريق
أي حزن به يحس وبرحعندما يدفن الصديق الصديق
أنت كاللص قاحم للقصورهاتك في جرأة للستور
تنزع المثرى السعيد من الأصحاب والمال والفراش والوثير
تاركا خلفه يتامى صغاراًونساء يلد من بيض الصدور
ومن القصر تنقل السيد الضخم إلى جوف مظلم من حفير
أنت ذئب الأكواخ تخطف أطفال ذويها من حضنهم والحجور
نازعاً للصغير من عضد الأم وللأم من بنان الصغير
فرويداً يا موت انك قدأسرفت في القتل ثم في التدمير
تتنزى على الجماجم تدمىساخرا من كرامة الجمهور
ما لما قد قضيته من مردما لما قد خططت من تغيير
أنت داء وليس كالأدواءأنت رزء وليس كالأرزاء
أنت وحش ما زال في كل يوموالغاً من شراسة في الدماء
أنت أقوى ناب بشدق الرزاياأنت أمضى سيف بأيدي القضاء
أنت ذو سلطان على كل نفسأنت في الأرض حاكم والسماء
أنت في الحكم مستبد فلا تنزل يوما فيه إلى الآراء
أنت في السهل والجبال من الأرض وفي الماء كامن والهواء
أنت لا يخفي عن عيونك فردفي الدجى أنت مبصر والضياء
أنت باب يفضي بمن ولجوا فيه إلى اللانهاية السوداء
منتهى للظهور في مسرح الكون لناس ومبدأ للخفاء
نكصت عن لقائك الأقوامفإذا أنت الواثب الهجام
أنت جلاد الناس تسرف في القتل وأنت المفاجئ الهدام
كلنا في أمواج بحرك نفنيثم لا يفنى بحرك القمقام
يهلك الشيخ الهم والرجل الكاهل والطفل راضعاً والغلام
لك في محقنا تمد اللياليوالليالي تمدها الأيام
وإذا ما انتجعت جسما سليماكثرت من روادك الأسقام
وإذا كنت نازلا بمكانفهو موبوء ليس فيه سلام
إن داء به تموت الصعاليك كداء به يموت الهمام
تبلغ النفس يوم أودى مداهالا سماء ولا نجوم أراها
وذا ما أوديت كانت حياتيقد أتى من أيامها منتهاها
أنها من حقيقتي كل شيءكيف صبري عنها وما لي سواها
في حياتي ذاتي وأما المنايافهي فقدانها فلا أرضاها
هويت نفسي أن أعيش وان لمتك في يوم حرة في هواها
وإذا ما نفس أقامت برمسفقد أسود ليلها وضحاها
إذا ما بانت عن الجسم نفسيتساوى ضلالها وهداها
ويح نفسي فإنها ستلاقيبغتة حتفها فما أشقاها
لا أرى عوض الشمس بعد بواريتتجلى في صبح كل نهار
لا أرى ما يزين جوف اللياليمن نجوم زهر ومن أقمار
لا أرى الزهر باسماً في رياضطلها قبل الصبح صوب القطار
من عرار وزنبق واقاحوشقيق ونرجس وبهار
لا أشم الأريج تحمله الأرواح قد مست جانب الأزهار
ثم لا أسمع الأغاريد تلقيها من الدوح جوقة الأطياروحفيف الأشجار قد مرت الر
يح بها في العشي والأبكاروخرير المياه في النهر تجري
وعلى وجهها ترف القمارىلا سماع لا رؤية لا شميم
لا مذاق لا لمس ما في جواريأنا بعد الردى لفقدان حسي
حجر جامد من الأحجارتتوالى حوادث الدهر فوقي
ثم أني في حفرتي غير داريوستبقى آثار فكري بعدي
ثم تفني كغيرها آثاريإن أفارق حسي فماذا اعتياضي
عن شعوري وذكريات الماضيكلما عاودت فؤادي ذكرى
ما مضى لي انتفضت أي انتفاضوعن الآمال التي لي تبدو
كنجوم من نورها في بياضيوم كان الشباب غضاً فأمشي
مرحا في ثوب له فضفاضفسلام على الشباب الذي قد
بان عني وعهده الفياضشهق البلبل المتيم لما
أبصر الورد دائم الأعراضوإذا البلبل المهان تولى
فسلام على عروس الرياضأتراني أعنو لحكم المنايا
إن أرادت اخذي بغير اعتراضأنا بالموت إن تيقنت كوني
بعده واجداً حياتي راضيغير أني أشك فليتأن
الدهر في بته لما هو قاضيأنا بالشعر بعد أن هد صرف
الدهر صرحي أبكي على الأنقاضالمنايا لها سهام وإني
غرض واحد من الأغراضبعد موت لهذه الأجساد
ليس يبقى منهن غير جمادأيها الموت أنت في كل حين
واقف للحياة بالمرصادهي تبني وأنت توسع هدماً
إنها في واد وأنت بواديأيها الموت لا أبالك لا أن
ت خفي عني ولا أنت باديقد من الناس من تشاء تجده
لك رخو العنان سهل القيادرب ناس ماتوا جميعا وناس
ذهبوا في أرض الهلاك بدادوقبور بنين فوق قبور
وبلاد أقمن فوق بلادأزف الوقت أن أصير إلى ما
صار قبلا أمي أبي أجداديوأخال الزمان ذا دوران
فتعود الآزال في الآبادويعود الإنسان يوما كما كا
نت جماعاته مع الأفرادإنني لم أخلد إلى غير حق
فلماذا قد غاظهم أجلاديأيها الناس إن أردتم خلودا
فاقتلوا الموت وادفنوه بعيداواجعلوا في يديه غلا ثقيلا
وبرجليه مثل ذاك قيوداواسكبوا فوقه نحاساً مذاباً
ورصاصا وجلمدا وحديداوابتنوا حوله من الصخر سورا
واجعلوا السور عاليا ممدوداارفعوه إلى السماء وردو
ه إلى الأرض ثم كروا صعوداوارصدوه من البعيد نهارا
وارصدوه ليلا وكونوا شهودافعسى أن يبقى بذلك عما
كان يأتيه من أذى مصدودابين ما قلت والحقيقة بعد
ما لحي من المنية بدإنها في يوم تجيء فان جا
ءت فما أن لها يكون مردإنها ثلمة الحياة التي قد
وسعت وهي ثلمة لا تسدولعلي إذا رقدت بقبري
بعد موتي يطيب لي فيه رقدإنني إن رقدت فيه فلا يز
عجني كالأحياء حر وبردولعل الحياة ضرب من الفع
ل خفي والموت للفعل ردأو هي الكهرباء حشو الخلايا
وهو للكهرباء منهن فقدلم تزل هذه الطبيعة تبني
ولما كانت قد بنته تهدان بين الحياة والموت حربا
هو يبغي سحقا لها وهي تأبىولقد يجمع الجراثيم أجنا
داً لها صولة فتزحف إلباًوتذوب الحياة عنها بجمع
من كرياتها وجند معبىويكون الصدام بين الفريق
ين عنيفاً وتلهب النار لهباتلك حرب بين الخلايا واعدا
ء الخلايا تجد طعنا وضرباوهنالك القتلى تمزق أشلاء
وتلك الأشلاء تؤخذ نهباولقد تحرز الحياة ظهوراً
بعد لأي وقد تهادن غضبىوإذا الموت بعد ذلك ألفى
خوراً في الحياة يهجم وثباوتظل الحياة تدرأ عنها
الشر حتى تعيا فقضي نحباًربما كان الموت أجدى لناس
ركبوا مركبا من الذل صعباأي خير من الحياة لعان
كل يوم فيها يعالج كربا