ما قضى إلا على الصب العميد

ما قَضى إلاَّ على الصّبِّ العميدِوغدا يعثر في ذَيل الصُّدود
رشأٌ يقتنص الأُسْدَ ومَنعلَّمَ الظبي اقتناصاً للأُسود
بأبي الشادن يرنو طرفهبلحاظٍ كلحاظ الرِّيم سود
ما أُلاقي من سيوفٍ وقناًما أُلاقي من عيونٍ وقدود
ويحَ قلبٍ لَعِبَ الشَّوقُ بهمن عيون بابليَّات وجيد
ربَّ طيفٍ من زَرودٍ زارنيفسقى صوبُ الحيا عهدَ زرود
فتذكَّرتُ زماناً مرَّ بيطرب النشوة مرعيَّ العهود
وبعيد الدَّار في ذاك الحمىمن فؤادي في الهوى غير بعيد
يا دموعي روِّضي الخدَّ وياحرَّ نيران الجوى هل من مزيد
أين أيَّامُ الهوى من رامةيا لياليها رعاك الله عودي
وبكاء المزن في أرجائهاوابتسام الراح عن درٍّ نضيد
قَذَفَتْ أنجُمُها كأسَ الطلاكلّ شيطانٍ من الهمِّ مريد
فأَدِرْها قهوةً عاديَّةًعُصِرَت في عهد عادٍ وثمود
أيُّها السَّاقي وَهَبْ لي قُبلةًهبةً منك بإحسان وجود
أنا لا أَشرَبُها إلاَّ علىأُقحوانِ الثَّغر أو وَرْدِ الخدود
وبفيك المورد العذب الَّذيأرتوي منه ومن لي بالورود
وبقلبي نارُ خَدَّيْك الَّتيلم تزل في مهجتي ذات الوقود
من معيد لي زماناً قد مضىبمذاب التِّبر في الماء الجَمود
دارتِ الأَقداح فيها طَرَباًمن يَدَيْ أَحوى ومن حسناءَ رود
وكأنَّ الكأس في توريدهاقُطِفَتْ واعْتُصِرَتْ من خدِّ خود
في رياض غرَّدت ورقاؤهابفنون السَّجع منها والنشيد
وغصون البان في ريح الصباتنثني بين ركوع وسجود
فسقى تلك المغاني عارضٌمستطيرُ البَرقِ مِهدارُ الرُّعود
كانت الجنَّة إلاَّ أنَّهالم تكن حينئذٍ دار الخلود
في ليالٍ أشْبَهَتْ ظلماؤهابدخانٍ كانَ من ندٍّ وعود
وكأَنَّ الأَنجُمَ الزّهر بهاأَعيُنٌ من وجدها غير رقود
وكأَنَّ البدرَ فيها مَلِكٌحُفَّ بالموكب منها والجنود
وكأَنَّ الصُّبْحَ في إثر الدُّجىطائرٌ يركض في إثر طريد
رقَّ فيه الجوُّ حتَّى خِلتَهرقَّةَ القاضي بنا عبد الحميد
لَطُفَتْ أخلاقُه وابْتَهَجَتْكابتهاج الرَّوض يزهو بالورود
إنَّ من يأوي إلى أحكامهإنَّما يأوي إلى ركن شديد
عادلٌ في الحكم يمضي حكمهبقضاء الرّبّ ما بين العبيد
كلَّما كرَّرْتُ فيه نظراًرَمَقَتْني منه أَلحاظُ الورود
حجَّتي فيه الأَيادي والنَّدىوجميل الصّنع بالخلق الحميد
وشهودي من مزاياه ولاتثبت الحجَّةُ إلاَّ بالشُّهود
قمرٌ في المجد يكسوه السَّناشرف الآباء منه والجدود
وافرُ الجود يدا آملِهِإنَّما تغرف من بحرٍ مديد
ذو نوالٍ مستباح نيلُهمن مُنيلٍ ومراد لمريد
عالم فيه لنا فائدةفجزى الله مفيد المستفيد
أَلمعيٌّ ناظرٌ في بَصَرٍفي خوافي غامضِ الأَمر حديد
وبما في ذاته من هِمَمٍكلّما تُرْهَفُ أَزْرَتْ بالحديد
شَرَحَتْ معنى معاليه لنافهيَ لا تخفى على غير البليد
وأَرَتْنا منه في أَقرانهمُفْرداً يغني عن الجمع العديد
شرعةُ الدِّين ومنهاج الهُدىقائمٌ بالقسط مجريُّ الحدود
حاملٌ للحقِّ سيفاً خاضعٌلمضاه كلُّ جبَّار عنيد
يُرتجى أو يُختشى في حدِّهمُؤْنِسُ الوعد وإيحاش الوعيد
وَعَدَتْني منه آمالي بهفوَفَتْ لي بعد حَوْلٍ بالوعود
فحمِدْتُ الله لما أنْ بداطالعاً كالبدر في برج السعود
عاد للمنصب قاضٍ لم يزلكلّ يومٍ هو في عيد سعيد
وبفضل الله يعلو مجدهفتعالى الله ذو العرش المجيد
يا عماد المجد في المجد ويادُرَّة التَّاج ويا بيت القصيد
دمتَ في العالم عطرياً الشذادائمَ النعمة مَكبوتَ الحسود
يا لك الله فتًى من مُبدِئٍبالندى والفضل فينا ومعيد
وقوافيَّ الَّتي أُنشِدُهانُظِمتْ في مدحه نظم العقود
أَطلَقَتْ فيه لساني أَنعُمٌقيَّدَتْني من عُلاه بقيود
أَنا لولا صيِّبٌ من سَيْبِهما ارتوى غُصْني ولا أَورَقَ عودي