📜 قصيدة لـ اابن فركون📚 مؤلف أندلسي
تهادَتْ قُبَيْلَ الصُبْحِ والركْبُ نُوَّمُونجْمُ الدُجَى بالأفْقِ لا يتلوّمُ
فما الشُهْبُ في نهرِ النّهارِ وقد جرَتْلموْرِدِها إلا القَطا وهْيَ حُوَّمُ
تفتّحَ زَهْرُ الزُّهْرِ في روضِ أفْقِهافمُدّ ليَجْنيها منَ الفجْرِ مِعْصَمُ
كأنّ الدُجى والفجْرُ تحت ذُيولِهمُحجَّلُ أطْرافِ القوائِمِ أدْهَمُ
ولمّا تهاوَتْ شُهْبُهُ أوضحَ السُّرىسَنا الفجْرِ حيثُ الرّكْبُ سرٌّ مُكتَّمُ
يَلوحُ ويخْفَى تارةً فكأنّهُوقد حلّ صدْرَ البيدِ ظنٌّ مُرجَّمُ
لَئِنْ غارَ نجْمُ الأفْقِ أو غابَ نُورُهفقدْ طلعَتْ للأوْجُهِ الغُرِّ أنْجُمُ
فَيا صاحبَيْ نجْوايَ هل ليَ مُنْجِدٌوسلْطانُ وجْدي في الفُؤادِ مُحكَّمُ
رَعى اللهُ قلباً قلّبَتْهُ يدُ النّوىلهُ بينَ هاتيكَ القِبابِ تَلَوُّمُ
يَطيرُ خُفوفاً نحْوَها فيُميلُهُهوىً في خيامِ الظّاعِنينَ مخيِّمُ
أيَخْفَى جوىً قد ضُمِّنتْهُ جوانِحيودمْعُ جُفوني عن ضميري مُترْجِمُ
كأنّ الحِمى لمّا استهلّتْ مدامِعيكميٌّ على أعْطافِهِ يقطُرُ الدَّمُ
فأُرْسِلُ منه كلّما أخْلَفَ الحَياسَحاباً يفوقُ الغيثَ والغيثُ مُسْجَمُ
وآثارُ وقْعِ الدّمْعِ في عرَصاتِهايوَشّي رُبى أطْلالِها ويُنَمْنِمُ
وكم صادِرٍ قادَتْهُ نغْمَةُ صادِحٍفَما عادَ إلا والخلِيُّ مُتيَّمُ
خَليليَّ إنّي كلّما هِمْتُما بهِلأعْجَبُ أن يُشْجي الفَصيحَيْن أعجَمُ
وركْبٍ مُفَدّىً بالنّفوسِ أمالَهُمْحثيثُ سُراهُمْ لا الرّحيقُ المفَدَّمُ
تحمَّل من أهْلِ العزائِمِ أُسْرَةًفمُنْهِدُ جيشٍ للغِوارِ ومُقْدِمُ
يجُرُّ القَنا من خلفِهِ فيُرَى لَهاعلى الرّمْلِ خطٌّ بالحوافِرِ مُعْجَمُ
تَلوحُ ويُخْفيها مُثارُ عَجاجِهاكما انسابَ في خُضْرِ الأباطحِ أرْقَمُ
فهلْ مُنْجِدٌ بالصّبْرِ والرّكْبُ مُنْجِدٌكما شاءَهُ العزْمُ الحَثيثُ ومُتْهِمُ
إذا اسْتَقْبَلَ الحادي المَطايا مُرَجِّعاًفما الرّوْضُ أو ما الطّائِرُ المترَنِّمُ
يردّذُ ذِكْراهُمْ سُروراً كأنّهُبذلكَ ينْعَى مَن أقامَ ويَنْعَمُ
أرى الدّهْرَ بينَ الأخْذِ والتّرْكِ للسُّرىيُصرِّحُ لي من بعْدِهِمْ ويُجَمْجِمُ
ويَلقى هَوى نفْسي جُنودَ عزائِميفيهْزأُ بي طوْعَ المُقامِ ويهْزِمُ
وإنَّ الذي ألْغَى السُّرى وهْوَ قادِرٌلمُغْرىً بما لا ينفَعُ المرْءَ مُغْرَمُ
تُقيّدُهُ أوْزارُهُ ولوِ اهْتَدىلَسارَ كما يسْري الجوادُ المطهَّمُ
وتمْنَعُهُ أعْمالُهُ ولو اتّقىمضَى مثلَما يمْضي الحُسامُ المُصمّمُ
أحُجّاجَ بيتِ اللهِ فزْتُمْ بزوْرَةٍحباكُمْ بها طوْعَ السّعادَةِ موسِمُ
وقد وُجّهَتْ فيه إلى اللهِ أوجُهٌيَلوحُ علَيْها للكَرامةِ مِيسَمُ
رحَلْتُمْ ومَنْ خلّفْتُموهُ لغَيِّهِمُهَوِّنُ ريْبِ الحادثاتِ مُهَوّمُ
فيا لَيْتَني ما كُنْتُ ممّنْ تخلّفواوعاجوا عنِ القَصْدِ الحميدِ وأحْجَموا
أقامُوا وقد سِرتُمْ فَما الرّأيُ بعْدَكُمْرَشيدٌ ولا العزْمُ المؤمَّلُ مُبْرَمُ
لقد عرّفَتْكُمْ فضلَها عَرَفاتُهُوضمّكُمُ البيتُ العَتيقُ وزَمْزَمُ
وألفَيْتُمُ شتّى الأمانيِّ في مِنىًوعندَ وجودِ الماءِ يُلغَى التيمُّمُ
فبُشْرى لمَنْ قد حلّ فيهِ مؤمِّلاًمواهِبَ رُحْماهُ وهَيْهاتَ يُحْرَمُ
وشقَّ جُيوبَ الصّبْرِ شوقاً إلى الذيلهُ انشقّ بدْرُ الأفْقِ وهْوَ مُتَمَّمُ
وزارَ فِناءً للفَناءِ بطَيْبَةٍفكانَ لهُ فيها على اللهِ مَقْدَمُ
ومَنْ شاقَهُ حادي الرّكائِبِ كُلّماتقدَّمَها يحْدو بها ويُهَيْنِمُ
بِداراً لمثْوى خيْرِ مَنْ وطِئَ الثّرَىفركْبُ السُّرَى قصْدَ الحِجازِ مُيمِّمُ
فلوْلا حُلولٌ بيْنَ قبْرٍ ومنْبَرٍلما رابَ تأخيرٌ وراقَ تقدُّمُ
فللهِ ما أهداكَ من أُحُدٍ وقدترفّعَ منهُ للهِدايةِ معْلَمُ
مَشاهِدُ قد شاهَدْتَ منها مَعاهِداًيُجدّدُ ذِكْراً عهْدُها المُتقدّمُ
تراءتْ فما نورُ التّباشيرِ خامِدٌولا أوْجُهُ البُشْرى بها تتجهّمُ
فما حلَّها إلا به متوسِّلٌإلى اللهِ في أرْجائِها متوسِّمُ
وصرّحَ بالشكْوى فَنوديَ سامعٌإجابَتُهُ حتْمٌ وأُمِّلَ مُنْعِمُ
فرافِعُ طرْفٍ دونَها متضرّعٌوباسِطُ كفٍّ عندَها متظلِّمُ
جُوارُك يا خيْرَ البريّةِ مأمَنٌومعْتَصَمٌ مِنْ فادِحِ الخطْبِ يَعْصِمُ
ثَرىً قد هدَى للرُشْدِ كلَّ مضلَّلٍوأثْرى به طوْعَ السّعادةِ مُعْدِمُ
محطٌّ لأوْزارِ العُفاةِ ومرْحَلٌوقصْدٌ لطُلابِ الرّضى ومُيمَّمُ
ألا يا رَسولَ اللهِ دعْوةَ نازِحٍلهُ في النّوى والقُرْبِ فكْرٌ مُقسَّمُ
يراكَ بمكْنونِ الضّميرِ فقلْبُهُعليكَ وما حلّ المنازلَ يَقْدُمُ
أنا المذْنِبُ الجاني وأنتَ شَفيعُهُومثلُك مَنْ يُرْجى ومثْليَ يُرْجَمُ
بماذا عَسى أثني على المُصطَفى الذيأتى فيه نصُّ الذِّكْرِ والذِّكْرُ مُحْكَمُ
وفائدةِ الأكوانِ يقضي ابتداؤهابأنّ به الوحْيَ المنزَّلَ يُخْتَمُ
وأهْدى من الآياتِ كُلَّ عجيبةٍهدَتْ لسَبيل الرُّشْدِ والرُّشدُ مبْهَمُ
تُنيرُ فيعْلو الخافقينَ منارُهاويجْلو سَناها الخَطْبَ والخطْبُ مُظْلِمُ
فمَن ذا يعدُّ الشُّهْبَ والعدُّ معْجِزٌومن ذا يرومُ البحْرَ والبحْرُ مُفْعَمُ
كريمٌ قضى حُبّي لهُ بعْدَما جنَتْيَدي أنّني في جنّةِ الخُلْدِ مُكْرَمُ
فما لي إذا لاقَيْتُ ربّي وسيلةٌسوى أنّني أرْجو وأنّيَ مُسْلِمُ
وما ضاقَ عفْوُ اللهِ عن مُذْنِبٍ وإنْتعاظَم منه الذّنْبُ فالعَفْوُ أعْظَمُ
أيا رب إنّ العَبْدَ بالبابِ واقِفٌيخافُ ويرْجو فهْوَ يدْنو ويُحْجِمُ
يفكِّرُ في الرُّجعى إلى الله نادِماًفيوْمَ التّنادي لا يُفيدُ التندُّمُ
ومُجْري جيادٍ للبطالةِ هل لهُمُجيرٌ غَداً من نارِه وهْو مُجْرِمُ
ألا عطْفةٌ نحوَ المَتابِ لعلّهاتؤكّدُ أسْبابَ النّجاةِ وتُبْرِمُ
فأُصبِحُ من قومٍ أنابوا لربّهمْفأجْرَوا دماً في دمعِهِمْ حينَ أجْرَموا
وأُكْتَبُ من قومٍ إلى الله أسْلَمواوجوهَهُمُ طوْعاً وفي الأمْرِ سلّموا
لعلّيَ أحْظى بالجِنانِ كرامةًوقد ردّدَتْ هل من مزيدٍ جهنَّمُ
فَيا أيّها المغرورُ إنّكَ قادِمٌعلى عملٍ قدّمْتَهُ أو تُقَدِّمُ
أيا عجَباً للمرْءِ يفْرَحُ بالذيألمَّ منَ الدُنْيا ولا يتألّمُ
إذا أنتَ لم توثِرْ هواكَ تجلُّداًفصبْرُكَ أقوى والطّريقةُ أقْوَمُ
أتَرْكَنُ للدُنيا وأنت بفِعْلِهاخبيرٌ لِبيسَ المرْءُ مَن ليسَ يحْزَمُ
أتَغْتَرُّ أن أهْدَتْكَ زهرَةَ حُسْنِهامتى لذّ يوماً شهدُها وهْو علْقَمُ
تُفيدُك علماً بالتّجارِبِ كلّماتحطّ وتُعْلي وهْي بالحالِ تُعْلِمُ
تولّيكَ إن واليْتَها خُطّةَ الأسىفحتّى متى تصْغي ولا تتعلّمُ
إذا نفذَ المقدورُ أُصْمِتَ كاهِنٌورُدَّ بهِ عمّا ادّعاهُ منجِّمُ
أمِنْ بعدِ ما لاحَ المشيبُ بلمَّتيصَباحاً هَداني ليلُهُ وهْوَ مُظلِمُ
تجهّم وجْهُ الأنسِ وهْو بمفْرَقيأزاهِرُ في خُضْرِ الرُبى تتبسّمُ
لعِمّتِه في الفَوْدِ فضْلُ ذُؤابةٍعلى لِمّةٍ كادَتْ بها تتلثّمُ
هو الواردُ المرغوبُ عنهُ فكلّماألمّ بفَوْدٍ وفْدُهُ يتألّمُ
جوادٌ ولم يُسألْ وفيٌّ ولم يَعِدْمُردّدُ وعْظٍ وهْو لا يتكلّمُ
ومن بعْدِ ما مرّتْ ثلاثون حجّةًوسبْعٌ يُرامُ الأنْسُ أو يُتوهّمُ
وقارَبْتُ من مَرْمَى الأشُدّ رَمِيّةًتُقَرْطِسُها منْ حادِثِ الدّهْرِ أسْهُمُ
وصوّحَ مرْعىً للشّبيبةِ مُخْصِبٌوأيُّ شَبابٍ مونِقٍ ليسَ يهْرَمُ
أُعلِّلُ بالبُهْتانِ قلباً مقلباًوأُلزِمُ منهُ النفْسَ ما ليسَ يَلزمُ
وأُصْغي لأقوامٍ يُقيمونَ ألْسُناًتُجادِلُ في صدْقِ المقالِ وتَخصُمُ
بَني زمنٍ سامُوا أباهُمْ زمانَةًفما لَكَ في أفْعالِهِمْ كيف تحْكُمُ
لقد أعرَبوا اسْمَ المَكْرُماتِ وبدّلوافلا فاعِلٌ يُجْزَى ولا فِعْلَ يُجْزَمُ
وأغْتَرُّ بالدُنْيا وإن كُنتُ نِلْتُهاوأصبحْتُ في أثوابِها أتنعّمُ
وجُدْتُ ولا مَنٌّ بما ملَكَتْ يَديوربّي يدْري ما بِهِ أنا مُعْلِمُ
على حُبّه والحُبُّ في العَفْو مُطْمِعٌكما قال إنّي للثّلالةِ مُطْعِمُ
فلوْ علِمَ العُذّالُ كُنْهَ محبّتيلأقصرَ عن عَذْلي وُشاةٌ ولُوَّمُ
ولكن إذا لمْ أحْظَ يوماً بزَوْرَةٍيَطيبُ بها في طَيْبةٍ لي مُخَيَّمُ
فما شهُبُ العلياءِ حوْلي مُنيرةٌتَروقُ ولا بحْرُ المَكارِمِ مُفْعَمُ
ولا البُرْدُ مَوْشيُّ الحواشي مُنَمْنَمٌولا الثوْبُ مسْدولُ المعاطِفِ مُعْلَمُ
ولا السيْفُ مصْقولُ الغِرارِ ولا الهُدَىرَحيبٌ ليرْتاحَ الجَوادُ المُسوَّمُ
ولا الدّرْعُ فَضْفاضٌ ولا الرّمْحُ ذابلٌقدِ اطّرَدَتْ منهُ الكعوبُ مُقَوَّمُ
ولا الروْضُ ممْطورُ الجوانبِ مائِدٌممنّعُ أرْجاءِ الحِلالِ منعَّمُ
ولا الظّبْيُ مصْقولُ التّرائِبِ إنْ ثَنىإلى قصْدِهِ الجيدَ انثَنى وهْوَ ضيْغَمُ
فما رابَ منْهُ جيدهُ وهْوَ متْلَعٌولا راقَ منْهُ اللحْظُ وهْوَ مُنوَّمُ
لعلّي بها أحْظى فألْحَقَ بالأُلَىويُحْسَبُ قصدي حينَ أُحْسَبُ منهُمُ
وأنّى يخيبُ القَصْدُ والأكْرَم الذييجودُ بما شاءَ العُفاةُ ويُنْعِمُ
وكيف وحُبّي للنّبي محمّدٍلهُ في حَصاةِ القَلْبِ خطٌّ مُرسَّمُ
ألا يا رسولَ اللهِ في النْفسِ حاجةٌوجاهُكَ قد يُرْجى لما هوَ أعْظَمُ
رجَوْتُ وأرْجأْتُ الأمورَ تيقُّناًبأنّ قضاءَ اللهِ أمْرٌ محتَّمُ
فَيا سائِلاً عمّا أكنّتْ جَوانِحيوما في ضَميري لمْ يَفُهْ لي بهِ فَمُ
سأحْظَى بما أمّلْتُهُ إنّ مدْحَهُبما نيْلُهُ يُعْلي المراتِبَ يُعْلَمُ
إذا لم تُحِطْ بالسّرّ عِلماً فعدّ عنْمَلامي فإنّ اللهَ أعْلى وأعْلَمُ
ودعْني فأمْرُ اللهِ جلّ جلالُهُلهُ من وراءِ الغيْبِ سرٌّ مُكتَّمُ
أتسْتَحقِرُ الدُنْيا وتستعظِمُ الذيتُؤمِّلُهُ منْها وربُّكَ أكْرَمُ
وكِلْني لمدْحِ المصْطَفى المُرسَل الذيبهِ اللهُ يعْفو عن ذُنوبي ويرْحَمُ
يخلّدُ فِكْري فيهِ كُلَّ عجيبةٍتُخَطُّ على صفْحِ الزمانِ وتُرْسَمُ
وينزَعُ عن قوْسِ الإجادةِ سهْمَهُعساهُ بحظٍّ في الشّفاعةِ يُسْهَمُ
لعلّ ذُنوباً في فؤاديَ خلّفَتْكُلوماً يُداويها الكلامُ المنظّمُ
فكمْ قَسَماتٍ للهدايةِ تُجْتَلىوكمْ نفَحاتٍ للرّضى تُتَنسَّمُ
عليكَ سلامُ اللهِ ما يمّمَ الورَىحِماكَ وما صلّوا عليكَ وسلّموا