📜 قصيدة لـ اابن حجر العسقلاني📚 مؤلف مملوكي
يا عَينُ جودي لِفَقد البحر بالمطرِأَذري الدُموع وَلا تُبقي وَلا تَذَري
لَو رَدَّ تَرديدُ دَمعٍ ذاهِباً سَبَقَتشهبٌ وَجَمرٌ بِعَيني جريةَ النَهرِ
تَسقي الثرى فَمَتى لامَ العذولُ أَقُلدَعها سمائيّةً تَجري عَلى قدرِ
يا سائِلي جهرةً عمّا أُكابدهعَدَتكَ حالي فَما سرّي بمستِترِ
لَم يَعلُ مِنّي سوى أَنفاسي الصُعَداولست أَبصرُ دَمعي غَيرَ منحدرِ
أَقضي نَهاريَ في هَمٍّ وَفي حزَنٍوَطولَ ليليَ في فِكرٍ وَفي سَهَرِ
وَغاصَ قلبيَ في بحر الهُموم أَماتَرى سَقيطَ دُموعي منه كالدررِ
فَرَحمَةُ اللَه وَالرضوانُ يَشملهُسلامه ما بَكى باكٍ عَلى عمرِ
بحر العُلوم الَّذي ما كَدَّرَته دِلاًمِنَ المَسائِل إِن تُشكِل وَإِن تدُرِ
وَالحبر كم حبّرَت طِرساً يَراعتُهُحَتّى يُجانسَ بين الحِبر وَالحِبَرِ
لَم أَنسَ لما يَحُفُّ الطالِبونَ بهِمِثلَ الكَواكب إِذ يَحفُفنَ بِالقمرِ
فيقسِمُ العلمَ في مُفتٍ وَمبتَدئٍكقسمةِ الغيث بين النبت والشجرِ
وَلَم يَخُصَّ بِبشرٍ منه ذا نَشَبٍبَل عمَّهم فَضلُهُ بِالبشر والبِشَرِ
لَقَد أَقامَ مَنارَ الدين متّضحاًسراجه فأضاء الكونُ لِلبشرِ
في القرن الأَول والقرنِ الأَخيرِ لَقَدأَحيا لَنا العمران الدينَ عن قدرِ
في الإِسم والعلم وَالتَقوى قَد اِجتَمعاوَإِنّما اِفترَقا في العصر والعمرِ
لكن أَضاءَ سَراج الدين منفرداًوَذاكَ مُشتَرِكٌ مَع سَبعَةٍ زُهُرِ
مَن لِلفَضائِل أَو مَن لِلفَواضِل أَومَن لِلمَسائِل يُلقيها بِلا ضَجَرِ
مَن لِلفَوائِد أَو من لِلعَوائد أَومَن لِلقَواعِد يَبنيها بِلا خوَرِ
مَن لِلفَتاوى وَحَلِّ المشكلات إِذاجَلَّ الخطاب وَظَلَّ القوم في فِكَرِ
لمَن يَكون اِختلافُ الناس إِن اِتّفقَتعَمياءُ وَالحكمُ فيها غَيرُ مستطرِ
قالوا إِذا أَعضلَت نبّه لَها عُمَراًوَنَم فَمَن بَعدَهُ لِلمُشكِل العسِرِ
من لَو رآه ابنُ إِدريس الإِمامُ إِذاًأَقرَّ أَو قَرَّ عَيناً منه بِالنَظَرِ
قَد كانَ بالأمّ بَرّاً حينَ هَذَّبهاتَهذيبَ مُنتَصِرٍ لِلحَقّ معتبرِ
تَرى خَوارقَ في اِستنباطه عجباًيردّها العقل لَولا شاهِدُ البصرِ
قالَت حواسِدُهُ لمّا رأوا غرراًمِن بَحثِهِ خُبرها يُربي عَلى الخَبرِ
اللَه أَكبَرُ ما هَذا سِوى ملكوَحاشَ لِلَّه ما هَذا مِن البشرِ
عَهدي بأَكبرهم قَدراً بِحضرتهِمِثلَ البُغاثِ لدى صقر من الصغرِ
مُحَدِّثٌ قل لِمَن كانوا قَد اِتّفقواكَي يَسمَعوا منه فُزتُم منه بالوَطَرِ
علوتمُ فَتَواضعتم عَلى ثقةٍلمّا تواضعَ أَقوامٌ عَلى غَرَرِ
مُحَدِّث كم له بِالفَتح مِن مَدَدٍتَحقيقُ رَجوى نبيّ اللَه في عمرِ
حَكى الجنيدَ مقاماتٍ بِها كلمٌتَذكيرُ ناسٍ وَتَنبيهٌ لمُدّكِرِ
وبابه يتلقّى فيه قاصدهبِشرٌ وَسَهلٌ وَمَعروفٌ بِهِ وَسَري
لَو قال هذي السَواري الخُشب من ذهبٍقامَت لَهُ حُجَجٌ يشرِقن كالدررِ
وَإِن تكلّمَ يَوماً في مناظرةٍيَدُقُّ مَعناه عَن إِدراك ذي نظرِ
سَل اِبنَ عدلانَ عَن تَحقيقه وَأَباحَيّان وَاِعدِل إِذا حُكِّمت واِعتبرِ
مسدَّدُ الرأي حَجّاجُ الخصوم غَدافي سَعيه خير حجّاج ومعتمرِ
كَم حَجَّةٍ وَغَزاةٍ قَد سما بهماوكَم حوى عُمَرُ الخَيراتِ مِن عُمَرِ
أَصمَّ ناعيه آذاناً وَقيَّدَ أذهاناً وأطلَقَ أَجفاناً لمنكسرِ
سَعى إِلَينا بِهِ يَومَ الوقوفِ فَماأَجابه الركبُ إِلّا بِالثنا العطرِ
نَعاه في يَوم تَعريفِ الحَجيج فَقَدضَجّوا وَعَجّوا أَسىً من حادِث نُكُرِ
يا من لَهُ جنّةُ المأوى غَدَت نُزُلاًأرقُد هَنيئاً فَقَلبي منك في سعُرِ
حَباكَ رَبُّكَ بِالحُسنى وَرؤيَتِهِزِيادةً في رضاه عنك فَاِفتخرِ
أَزال عنك تكاليف الحَياة فَماتَتلو إِذا شئت إِلّا آخرَ الزمرِ
أَوحشتَ صُحفَ علومٍ كنت تَجمعهاوَمَنزِلاً بك مَعموراً من الخَفَرِ
لَم يَستَمِلكَ لِشادٍ أَو لِغانِيَةبَيتٌ مِن الشِعر أَو بَيتٌ مِنَ الشَعَرِ
لَكِن عَكَفتَ عَلى اِستنباط مَسألةأَو حَلِّ معضِلة أَعيَت عَلى الفِكَرِ
بِالنَصر قمت لِنَصٍّ نستدلّ بِهِكالسيفِ دلّ عَلى التأثير بالأثرِ
طَويتَ عنّا بِساطَ العلم معتلياًفَاِهنأ بمقعد صدقٍ عند مقتدرِ
كنانَةٌ لك مأوى وَهيَ مُنتسَبٌالدارُ مصرَ غَدت وَالبَيتُ في مُضَرِ
تَحمي قسيُّ رُكوع مَع سهام دعاًساحاتها بك من خاطٍ ومن خطرِ
كَم في كَنانة سهم لم يَصب غرضاًلمّا بُعدتَ ومن قوسٍ بِلا وَتَرِ
بِضعاً وَستّين عاماً ظَلتَ مُنفَرِداًبرتبة العلم فيها أَيَّ مشتهرِ
فَما برحتَ مُجِدّاً لِلعُلا يَقِظاًوَلا اِنتَهيتَ إِلى كأس وَلا وترِ
قَد كنت تَحمي حِمى الإِسلام مُجتَهِداًحَتّى تقلّدَ منه الجيد بالدررِ
فَرّقتَ جمع عدوّ الدين حَيث نحَوافَجمعُهم بَينَ تأنيث وَمنكسِرِ
طعنتَ غيرَ مُحابٍ في مقالتهمبِالسَمهَريَّةِ دونَ الوَخزِ بالإِبَرِ
طوراً بِسَيف الهُدى في الملحدين سُطاًوَتارَةً بسهام الذِكر في التترِ
رزءٌ عَظيم يسرُّ المحلدون بِهِكالاِتّحاديِّ وَالشيعيّ وَالقدَري
ليتَ اللَيالي أَبقَت واحِداً جُمعتفيهِ هِدايَةُ أَهل النفع وَالضررِ
وَلَيتها إِذ فَدَت عَمراً فَدَت عُمَرابطالبيه وَأَولاهم بذا عمري
هَيهاتَ لَو قبل الموت الفدى بُذِلَتفي الشيخ من غير ثنيا أَنفس البشرِ
عجبي لِقَبرٍ حَواه إِنَّهُ عجبإِذ بان منه اِتّساعُ الصدر لِلبحَرِ
لَهفي عَلى فقد شيخ المُسلمين لَقَدجَلَّ المُصابُ وَفيهِ عزَّ مُصطَبري
لَهفي عَلَيهِ سِراجاً كانَ متّقداًيَسمو ذكاً بِذَكاء غير منحسرِ
لَولا نَداه خَشينا نارَ فكرتهلكنّه بنداه مطفئُ الشررِ
أَضحى بِنار السراج النيلُ محترِقاًلمّا قَضى فاِعجَبوا من فطنة النهَرِ
لَهفي وهل نافعي إِبداع مرثيةوَكَيفَ يغنى كَسيرُ القلب بالفِقرِ
لَهفي عليه لِلَيلٍ كانَ يقطعُهُنَفلاً وَذِكراً وَقُرآناً إِلى السحرِ
لَهفي عَلَيهِ لِعِلمٍ كان يجمعهيَشُقُّ فيهِ عَلَيهِ فرقةُ السهرِ
لَهفي عَلَيهِ لعافٍ كان يَنفَعهفعلاً وَقَولاً فَما يؤتى من الحصَرِ
لَهفي عَلَيهِ لضَير كانَ يدفعهعَن الخَلائق من بَدوٍ وَمِن حضرِ
نَعَم وَيا طولَ حُزني ما حَييت عَلىعبدالرَحيم فحزني غير مقتصَرِ
لَهفي عَلى حافِظ العصر الَّذي اِشتهرتأَعلامُه كاِشتِهار الشمس في الظهُرِ
علمُ الحَديث اِنقَضى لمّا قَضى وَمَضىوَالدهر يَفجَعُ بعد العين بالأثرِ
لَهفي عَلى فَقد شيخيَّ اللَّذَينِ هماأَعَزُّ عنديَ مِن سَمعي ومن بصري
لَهفي عَلى مَن حَديثي عَن كمالهمايحيي الرَميم وَيلهي الحيّ عَن سمرِ
اِثنان لَم يَرتَق النسران ما اِرتقيانسرُ السَما إِن يلُح وَالأَرضِ إِن يَطِرِ
ذا شِبهُ فخر غِفارٍ لَهجَةً صدقَتوَذا جُهَينَةُ إِن تسأل عَن الخبرِ
لا يَنقَضي عجبي من وُفق عمرهماالعامُ كالعام حَتّى الشَهرُ كالشهرِ
عاشا ثَمانين عاماً بَعدَها سَنَةٌوَربعُ عام سِوى نَقصٍ لمعتَبِرِ
الدين تتبعه الدنيا مَضَت بهمارَزِيَّةٌ لَم تَهُن يَوماً عَلى بشرِ
بِالشَمس وَهوَ سِراجُ الدين يتبعُهُبَدرُ الدياجر زينُ الدين في الأثرِ
ما أَظلمَ الأفق في عيني وَقَد أَفَلَتشَمسي المنيرةُ عَنّي واِمّحى قَمَري
قَد ذقتُ من بين أَحبابي العَذابَ وهملاحَ النعيمُ فَساروا سيرَ مبتدرِ
يا قلبُ ساروا وَما رافقتَهُم فَعَلَواإِلى الرَفيق لَدى الجنّات وَالنَهرِ
وَعشتَ بَعدَ نَواهم مظهِراً جلداًتكابدُ الشوق ما أَقساك من حجرِ
وَأَنتَ يا طرفُ لا تنظُر لِغَيرهِمُما أَنتَ عِنديَ إِن تنظُر بذي نظرِ
وَلا يَغُرنّكَ بِشرٌ من خلافهِمُوَلَو أَنار فكم نَورٍ بلا ثمرِ
وَقل لأسود عيشي بَعدَ أَبيضِهِيا آخرَ الصَفو هَذا أَوَّلُ الكدَرِ
ما بَعدهم غايَة يا موت تطلبهابلغتَ في الأُفق المرَقى فَلا تَطِرِ
بدورُ تِمٍّ خلَت منهم مَنازلُهمفَالقَلبُ ذو كَمَدٍ وَالطَرفُ ذو سهرِ
غصون روضٍ ذوَت في التُربِ أَوجهُهمواوحشتاهُ لذاك المنظرِ النضرِ
دَمعي عَليهم وَشعري في رثائهُمكالدرّ ما بين مَنظومٍ وَمنتثِرِ
دارَت كؤوسُ المَنايا حينَ غِبتُ عَلىأَحباب قَلبي فَلَيت الكأس لم تدُرِ
حرَصتُ أَنّي أَلقاهم فَفاتَ فَقَدزهدتُ في وَطَني إِذا فاتَني وطري
لَكِن رَجاءُ لِقا قاضي القضاة جَلالِ الدين حَثَّ عَلى أَوبي من السفرِ
وليُّ عَهدِ أَبيهِ كان نصَّ عَلى استخلافه فَاِنتَظر يا خير منتظَرِ
فتيُّ سنّ وَفي المِقدارِ شبهُ أبهَذا اِتِّفاقُ فتاء السنّ والكِبَرِ
جارى أَباه وَأَخلِق أَن يُساويَهُوَالبَدرُ في شفق كالبَدر في السحَرِ
لَهُ مَناقِبُ تَسري ما سَرى قَمَرٌوسيرةٌ سار فيها أَعدلَ السيرِ
عِلمٌ وَحلم وعدل شامل وتُقىًوعفّة وَنوال غَيرُ منحصرِ
خَلائِقٌ في العلا لمّا سمَت وَحَمتفاحَت وَلاحَت لنا كالزُهرِ وَالزَهَرِ
يا كامِلَ الأَصل داني الوصل وافرَهبَسيطَ فَضلِ العَطايا غَيرَ مختصرِ
يا سَيّداً في المَعاني طال مطلبُهُملكتَها عنوةً بالحقّ فاِقتصرِ
إِن فُهتَ بالفقه فُقتَ الأقدمين ذكاًوَصُلتَ بِالحَقّ صولَ الصارِم الذَكَرِ
وَإِن تكلّمتَ في الأَصلين فاِعلُ وطُلوَقُل وَلا فخرَ ما الرازي بمفتخِرِ
وَإِن تفسِّر تُحَقِّق كُلَّ مشتبِهٍفَسَيفُ ذهنك شَفّافٌ عَلى الطبري
وَلَيسَ يَرفَعُ رأساً سيبويهِ إِذانَصبتَ لِلنَحو طَرفاً غير مُنكَسِرِ
ومن قَديم زَمان في الحَديث لَقَدرقيتَ في الحفظ وَالعليا إِلى الزُهُرِ
مَولايَ صَبراً فَما يَخفاك أَن لَنافي رزئنا أُسوةً في سيّد البشرِ
وَاِعذُر محبَّك في إِبطاء تعزِيَةٍلِغربةٍ ظَلتُ منها أَيَّ معتذرِ
وَلا تَقولَنَّ لي في غير مَعتَبَةٍعَليَّ لما أَطَلتُ المكثَ في سَفَري
أَبعدَ حَولٍ تُناجينا بِمَرثيَةٍهَلّا وَنَحنُ عَلى عَشرٍ مِن العُشُرِ
وحقّ حبّكِ لَولا القربُ منك لماراجعتُ فكري ولا حقّقتُ في نظري
بأي ذِهنٍ أَقولُ الشعرَ كُنتُ وَبيغَمٌّ يَغُمُّ عَلى الأَلباب وَالفكَرِ
فِكرٌ وَحزنٌ بِقَلبي في الحشا سَكَناوَغربَةٌ ظَلتُ فيها أَيَّ منكسِرِ
هَذا عَلى أَنَّ رُزءَ الشيخ لَيسَ لَهُعِندي اِنقِضاءٌ إِلى أَن يَنقَضي عمُري
فَقَدتُ في سَفَري إِذا فاتَ منه دعاًفَالفقدُ أَوجدُ ما لاقيتُ في سَفَري
دامَت عَلى لحده سحب الرضى دِيَماًما ناحَت الورقُ في الآصال والبكرِ
أَيقنت أَنَّ رياضاً قبرُهُ فَهَمَتعيني عليه بمنهلٍّ ومنهمِرِ
وَدُم لَنا أَنتَ ما عَنَّ الهلال وماغنّى المطوَّقُ في زاهٍ من الزهرِ
وَدام بابُك مَخدوماً بأَربعةٍالعِزِّ والنصر والإِقبال والظفَرِ