ربة الشعر عن رجال الوفاء

ربة الشعر عن رجالِ الوفاءِحدثينا وابغي جميل الثناء
حدثينا عن قومنا العرب أهلالمجد قدماً والعزة القعساء
عن رعاةٍ جاءوا حفاةً من القفر فحازوا ملكاً على الدنياء
رفعتهم أخلاقهم فتعالواثم هانوا من بعد ذاك العلاء
وبناءُ الأخلاق أعلى وأبقىمن بناء المعاقلِ الشماء
إن عفت منهم الربوع فلم يعف حديث لهم طويل البقاء
صفحات التاريخ ملأى بما يؤثر عنهم من نخوةٍ وإباء
والذي تسمعونه اليوم منيقطرةٌ من عُباب ذاك الماء
فتك السيف في أُميَّة فالشام وحمصُ كالوردة الحمراء
راح من راح منهم طعمة السيف وهامَ الباقون في الصحراء
أين قصرٌ لابرهيم منيفٌكان أبهى القصورِ في الفيحاءِ
وفراشٌ من الحرير وثيرٌمن فراشِ التراب والجصباءِ
ذل نجلُ الملوك والدهر مشغوفٌ بذلِّ الأقيالِ والعظماءِ
هائِمٌ في القفارِ يعلنهُ الليلُ ويخفيهِ عنك طرف ذُكاءِ
متزيٍّ خوف الرفيبِ بزيِّ الغيد من كان فارسَ الهيجاءِ
عندما أبصرَ النجاةٍ محالاووهى عزمه من الأعياءِ
عاج بالكوفةِ ابتغاءَ صديقٍيختفي عندهُ من الأعداءِ
غيرَ أنَّ العيونَ كانت عليهِتقتفي إِثرَهُ أَشدَّ اقتفاءِ
ورأى الجندَ في الدروبِ وقد سدُّوا عليه طريق كل رجاءِ
فانتحى جانبَ المدينة يبغيمنزلاً قد رآهُ فخم البناءِ
حطَّ عنهُ القناعَ واستقبلَ الببابَ فأَمسى في رحبِ ذاك الفناءِ
وإِذا صاحبُ المكانِ وقد أَقبلَ بين الأَعوانِ والندماءِ
قال من أنت قال اني ضعيفٌمستجيرٌ بكم من الأَقوياءِ
مرحباً مرحباً وأَفرد في القصرِ لهُ حجرةً بلا إِبطاءِ
فأَقامَ الأَيامَ في خير ما يرغب فيهِ من غبطةٍ وهناءِ
ليس يدري المضيف من هو ولم يسأَلهُ عن ذاك عادة الكرماءِ
ورأى أن صاحب القصر يمضيكل يوم من رهطهِ الأَوفياءِ
يذهبُ الصبحَ وهو طلق المحياثمَّ يأوي مقطباً في المساءِ
فاعتراهُ ريبٌ فقال لهُ يوماً وقد أجلسا معاً للعشاءِ
بأبي أنت ما الذي أوجبَ الهمَّ ومالي أراكَ نضوَ عناءِ
قال قد كان إبرهيم بنُ سلمان بغانا بالظلم والاعتداءِ
قتلَ الوالدَ الحنون وأبقىحسرتي بعده وطول بكائي
وأتاني بالأمس أن غريميمختفٍ ها هنا عن الرقباءِ
فأنا باحثٌ عليهِ لأقضيمنهُ ثاري وتشتفي حوبائي
قال من هو أبوكَ قال هوَ الليثُ بن يحيى بن أكرم الآباءِ
فَلَوَ أنَّ الجبالَ دُكَّت عليهِلم تَرُعهُ كهذه الأَنباءِ
عجباً ساقهُ القضاءُ إلى بيتِ أَلدِ الخصوم والأَعداءِ
كرَهت نفسهُ الحياةَ وقد ضاق بعينَيهِ رحبُ ذاك الفضاءِ
قال يا هذا إِنَّ حقَّك عنديواجبٌ بعدَ هذهِ الآلاءِ
فأَنا مُرشدٌ خُطاكَ إلى خصمِك أَقضي بذاكَ بعض الوفاءِ
قالَ من ذاكَ قال أني أنا القاتلُ فاثأر واسفُك بعدلٍ دمائي
ضحك الشابُ قال ويحك هَلملَّك طولُ البِعادِ والانزواءِ
فابتغيتَ الردى أجابَ بلِالحقُ الذي قلتُهُ وربِّ السماءِ
وأقامَ الدليلَ حتى جلا الشكَّ عن السامعينَ كلَّ جلاءِ
فاستشاطَ الفتى عليه وصارتمُقلتاهُ كالجمرةِ الحمراءِ
همَّ يقضي عليهِ في الحال لكنحال أَمرٌ أَهمُّ دون القضاءِ
قال كن من تشاءُ إِنَّكَ ضيفيوَهوَ عندي من أقدسِ الأسماءِ
لستُ واللَهُ خافراً ذمَّتي معكَ وقد نِلتَ من طعامي ومائي
إِن تكن والدي قتلتَ فعندم اللَه تلقى الجزاءَ يوم الجزاءِ
غير أني أرجو ابتعادّكَ إِذ أخشى من النفسِ ثورةَ الأهواءِ
فانصرف آمناً وأعطاهُ من أوصلهُ سالماً إلى البيداءِ
تلك آباؤنا وذاك تُراثم المجدِ باقٍ منهم إلى الأبناءِ
شرفٌ في سماحةٍ وذكاءٌفي وقارٍ وقدرةٌ في وفاءِ