يا صاح شمس العلوم اليوم قد غربت

يا صاحِ شَمس العُلومِ اليومَ قَد غَربتوَالأَنجُم اِنكَدَرَت وَالسّاعَةُ اِقتَرَبت
وَضَجَّتِ الأَرضُ وَاِهتزّت مُزلزَلَةًفَخالَها النّاسُ لَمّا زُلزلت وَجَبت
وَالنّاسُ قَد ذُهِلَت بِما أَلمّ بِهاوَهاجَها ما دَهاها الآنَ وَاِضطَرَبت
وَالعَقلُ قَد تاهَ وَالأَبصارُ شاخِصةٌوَالفَهمُ قَد ضاعَ وَالأَفكار قَد ذَهَبَت
وَأَظلَم الكَون وَالأَطيارُ حائِرةٌوَالنّاسُ سَكرى وَمنها لبّها سُلِبَت
وَالقَلبُ مُنفَطِرٌ وَالروحُ قَد زهقتوَشَبَّتِ النّارُ في الأكبادِ وَاِلتَهَبَت
وَالعَينُ قَد سَفَحت مِنها مَدامِعُهامِثل العَقيقِ وَمثلَ السّحبِ قَد سكبَت
تَبكي عَلى مَن أُصيبَ المُسلِمونَ بِهِشَمس العُلومِ الّتي عَنهُم قَدِ اِحتَجَبَت
العارِفُ الفردُ وَالقطبُ الوليّ وَمَنلَهُ الكَراماتُ قَد صحّت وَما كَذبت
الزّاهِدُ المُتّقي طَودُ المَعارفِ منعَليهِ أَعلامُها لِلهدْيِ قَد نصبَت
بَحرُ المَعارِفِ لَم تُدرك سَواحِلهمِنهُ لَنا دُررُ الأَسرارِ قَد جلبت
كَأَنّما أَبحُر العِرفانِ لَو عظمتجَداولُ لَو إِلى عِرفانِهِ نُسبَت
الجَهبَذُ العالِمُ النّحرير سيّدنابَحرُ العلومِ الّذي أَلفاظُهُ عذبت
البارِعُ المُتقنُ الحَبر الإِمام بِهِكلّ الأَئِمّةِ رَوْمَ القدوةِ اِنتَصَبَت
كلُّ العُلومِ تَبَدَّت وَسطَ فِكرَتِهِكَأَنّما صوّرت فيها أَوِ اِكتَتَبت
محقِّقٌ دقّة التّدقيقِ مِنهُ غَدَتتَبدو عَلى جَبهَةِ التّحقيقِ قَد كتبت
مُفسّرُ الوَقتِ بَيضاوي الزّمانِ وَمَنفيهِ التّفاسيرُ للإِتقانِ قَد رغبَت
الحافظُ الثّقةُ الثّبت الصّدوقُ وَمَنهوَ البخاري بِهَذا العَصرِ صحّ ثبت
فَقيه ذا العَصرِ بدر الفِقهِ مالِكهُسبكي الأُصول بِهِ اِعتزّت وَفيهِ رَبت
الأَشعَري الّذي أَسياف حجّتهسُلّت عَلى زيغِ أَهلِ الزّيغِ وَاِقتضبَت
الشّاعِرُ الفذُّ مَن دامَت قَريحَتهُنَضّاخة العَين لا قَلَّت ولا نضبَت
مُحمّدٌ شَمسُ دينِ اللَّه سَيّدناوَمَن بِهِ في الهُدى الأَمثال قَد ضُرِبَت
هُوَ المَسيريُّ مَن قَلَّت نَظائِرهُوَلِلوجودِ أَبَت في ذا الزّمانِ أبت
أَكرِم بِأَخلاقِهِ تَزهو مَحاسنهابِالحُسنِ قَد نَشأت لِلطف قَد كسبَت
سَطَت عَلَيه المَنايا وَهيَ غادرةفَفيهِ يا أَسفي أَظفارها نشبَت
إِنّ المَنايا لُيوث تِلك ضارِيةعَلى النُّفوسِ بِلا ريب لَقَد وَثَبَت
غَدّارة تَخطِفُ الأَخيارَ عادِيَةأَما تَراها لَه مِن بَينِنا اِغتصبَت
كُلّ النّفوسِ غَدَت في أَسرِ قَبضَتِهالا نَفس مِنها وربِّ البيتِ قَد هَرَبَت
كَم بُرج عُمر لَقَد هَدّت وَقَد هَدمتأَما بِها أَبرج الأَعمارِ قَد خَرِبَت
لَو أَنّها تَرتَضي الأَرواح فَديتهُلَعَنهُ أَرواحنا مِنّا لَها وهبَت
نَبكي دَماء عَلَيه الأَرضَ خاضبةأَما تَرى الأَرضَ مِن تلكَ الدّما اِختَضبت
كِدنا نَسيلُ نُفوساً مِن لَواحِظناوَالكلّ يَحسب مِن آماقِهِ جذبت
دَعاهُ مَولاهُ لِلفردَوسِ يَسكُنهاوَالحور فيها لَهُ لا شَكّ قَد خطبت
لَبّى مُجيباً يَجدّ السّير تَحمِلُهلَها مَطايا الرّضا إِذ فيهِ قَد ذهبت
إِن غابَ عَنّا فَقَد أَبقى لَنا خلفاًشَمساً مِنَ الفَضلِ لا زالَت وَلا حجبت
وَالشّمس إِن غَربت فَالبدرُ يَخلِفُهاكَأَنّها لَم تَغِب عنّا وَلا غربت
هوَ اِبنهُ مُصطفى العَلياء في شَرَفٍوَمِن مَعاليهِ مِن أَسنى العُلى اِنتخبت
الكامِلُ الشّهمُ بَدرُ العلمِ كَوكبهأَنوارهُ لِظلامِ الجَهلِ قَد غَلَبَت
غُصنُ الكَمالِ وَمِن رَوضِ الكَمالِ بَدامَا أَحسَن الغُصن في رَوضِ الكَمال نَبَت
تَسري اللّطافة في أَجزاءِ قامَتِهِكَأَنّها مِن مِياهِ اللّطفِ قَد شربت
خِدن البَلاغَةِ حدِّثْ عَن بَلاغَتهِفَإِنّها لِسواه الآنَ ما وهبت
أَهل البَلاغَةِ لَم تسمَع بَلاغَتهإِلّا وَمِن حُسنِها الزّاهي لَقَد عجبت
ما إِن تَكلّم إِلا الرّوح قَد فَرِحَتوَالعَينُ قرّت وَإِلّا الأُذن قَد طربَت
فَكَم نَهَبنا ثَمينَ الدُّرِّ مِن فَمِهِمِن نَثرهِ درّه آذاننا نهبَت
حَيّاهُ مَولاهُ وَأَحياهُ الزّمانُ لَناوَأَكمَد اللَّهُ أَضداداً لَه وَكبت
وَدامَ يبقى لَنا حتّى نَشِمّ بِهِشَذى أَبيهِ فَتشفى أَكبدٌ وصبَت
يا أَيّها الشّهمُ سَلّم لِلقضاءِ فَماغَير القَديمِ لَه غير الفَناءِ ثَبَت
وَيا أَخا اللبّ صَبراً إِذ أَصَبت بِهِمَنِ المَصائبُ عَنه يا نَبيه نَبَت
مَن يَصطَبِر فَلَهُ الأجرُ الجَزيلُ كَمالَهُ عَليهِ جنانُ الخلدِ قَد وجبت
وَالمَوتُ حَتمٌ وَكلُّ النّاسِ تطعمهأَلَم تَكُ الرّسل كَأس الحَتفِ قَد شَرِبَت
لِذا خُلقنا لِهذا النّاسُ قَد وجدتكَذا بِهِ بنية الآجالِ قَد خربت
وَفي المُصيبَةِ بِالمختالِ تَسليةعَن كلِّ ما نَكبة فيها الورى نكبت
وَاللَّه يَحبوهُ في الفِردَوسِ مَنزلةمِنهُ تَعالى دَنت مِنهُ لَقَد قربت
وَاِسلَم وَدُم في أَمانِ اللَّهِ ما هَطَلتسَحائِبُ الأفقِ ما لِلوَبلِ قَد سكبت
ما الفَتحُ في رثيهِ إِيّاه أَنشَدكميا صاحِ شَمس العُلوم اليومَ قَد غَرُبَت