📜 قصيدة لـ أأبو القاسم الشابي📚 مؤلف
يا أَيُّها الطِّفْلُ الَّذي قَدْكانَ كاللَّحنِ الجَميلْ
والوردةِ البيضاءِ تَعْبُقُفي غيابَاتِ الأَصيلْ
يا أَيُّها الطِّفلُ الَّذي قَدْكانَ في هذا الوُجُودْ
فرِحاً يُناجي فتنَةَالدُّنيا بمعسولِ النَّشيدْ
ها أَنْتَ ذا قَدْ أَطْبَقَتْجفنَيْكَ أَحلامُ المَنُونْ
وتَطَايرتْ زُمَرُ الملائِكِحولَ مضْجعِكَ الأَمينْ
ومضتْ بروحِكَ للسَّماءِعَرائسُ النُّورِ الحبيبْ
يحمِلْنَ تيجاناً مُذَهَّبَةًمن الزَّهَرِ الغَريبْ
ها أَنْتَ ذا قَدْ جَلَّلَتْكَسَكِينَةُ الأَبدِ الكبيرْ
وبَكَتْكَ هاتيكَ القُلُوبُوضمَّكَ القبرُ الصَّغيرْ
وتفرَّقَ النَّاسُ الَّذينالمقابِرِ شيَّعوكْ
ونسُوكَ مِنْ دنياهُمُ حتَّىكأَنْ لمْ يَعْرفوكْ
شَغَلَتْهُمُ عنكَ الحَيَاةُوحَرْبُ هذي الكائنَاتْ
إنَّ الحَيَاةَ وقد قضيْتَقُبَيْلَ معرفَةِ الحَيَاةْ
بحرٌ قَرارَتُهُ الرَّدىونشيدُ لجته شَكَاةْ
وعلى شواطئهِ القُلُوبُتئنُّ داميةً عُراةْ
بحرٌ تجيشُ بع العَوَاصفُفي العَشِيَّةِ والغَداةْ
وتُظِلُّهُ سُحُبُ الظَّلامِفلا سكونَ ولا إياةْ
نَسِيَتْكَ أَمواجُ البُحَيْرَةِوالنُّجُومُ الَّلامعهْ
والبُلبلُ الشَّادي وهاتيكَالمروجُ الشَّاسِعهْ
وَجَداولُ الوادي النَّضيرِبرَقْصِها وَخَريرها
ومسالكُ الجبلِ الصَّغيربعُشْبِها وزُهورها
حتَّى الرِّفاقُ فإنَّهمْلبثوا مدًى يتساءلونْ
في حيرةٍ مشبوبةٍأَيْنَ اختفى هذا الأَمينْ
لكنَّهمْ علموا بأنَّكَفي اللَّيالي الدَّاجيهْ
حملتكَ غِيلانُ الظَّلامِإلى الجبالِ النَّائيهْ
فَنَسُوكَ مثلَ النَّاسِ وانصرفواإلى اللَّهْوِ الجميلْ
بَيْنَ الخمائلِ والجداولِوالرَّوابي والسُّهولْ
ونسُوا وداعَةَ وجهكَ الهاديومنظَرَكَ الوسيمْ
ونسُوا تَغَنِّيكَ الجميلَبِصَوتكَ الحلوِ الرَّخيمْ
ومضوْا إلى المرْج البهيجِيطارِدُونَ طيورَهُ
ويُزحزِحونَ صُخورَهُويعابِثونَ زُهورَهُ
ويشيِّدونَ من الرِّمالِ البيضِوالحَصَبِ النضيرْ
غُرَفاً وأَكواخاً تُكَلِّلُهاالحشائشُ والزُّهورْ
ويُنضِّدون من الرُّبىبَيْنَ التَّضاحُكِ والحُبورْ
طاقاتِ وردٍ آبدٍتُزري بأَورادِ القُصورْ
يُلقُونها في النَّهْرِقُربانا ًلآلهة السُّرورْ
فَتَسيرُ في التَّيَّارِ راقصةًعلى نَغَمِ الخريرْ
كلٌّ نَسُوكَ ولم يعودوايذكرونكَ في الحَيَاةْ
والدَّهرُ يَدْفُنُ في ظلامِالموتِ حتَّى الذِّكرياتْ
إلاَّ فؤاداً ظلَّ يخفُقُفي الوُجُودِ إلى لِقاكْ
ويودُّ لو بَذَلَ الحَيَاةَإلى المنيَّةِ وافتداكْ
فإذا رأَى طفلاً بكاكَوإن رأَى شبَحاً دَعاكْ
يُصغي لصوتكَ في الوُجُودِولا يرى إلاَّ بَهَاكْ
يُصغي لنغمتكَ الجميلَةِفي خريرِ السَّاقيهْ
في رنَّةِ المزمارِفي لغوِ الطُّيور الشَّاديهْ
في ضجَّةِ البَحر المجلجِلفي هَدير العاصفهْ
في لُجَّةِ الغاباتِفي صوتِ الرُّعودِ القاصِفهْ
في نُغْيَةِ الحَمَلِ الوَديعِوفي أَناشيدِ الرُّعاةْ
بَيْنَ المروجِ الخُضْرِوالسَّفْحِ المجلَّلِ بالنَّباتْ
في آهةِ الشَّاكيوضوضاءِ الجموع الصَّاخبهْ
في شهقةِ الباكييُؤجِّجُها نُواحُ النَّادبهْ
في كلِّ أَصواتِ الوُجُودِطروبِهَا وكئيبِها
ورخيمِها وعنيفِهاوبغيضِها وحبيبِها
ويراكَ في صُوَرِ الطَّبيعَةِحُلوِها وذميمِها
وحزينِها وبهيجِهاوحقيرِها وعظيمِها
في رقَّةِ الفجرِ الوَديعِوفي اللَّيالي الحالِمَهْ
في فتنة الشَّفقِ البَديعِوفي النُّجُومِ البَاسمهْ
في رقصِ أَمواجِ البحيْرةتَحْتَ أَضواءِ النُّجُومْ
في سِحْرِ أَزهارِ الرَّبيعِوفي تهاويل الغُيومْ
في لمعَةِ البرق الخَفُوقِوفي هُوِيِّ الصَّاعقهْ
في ذِلَّةِ الواديوفي كِبْرِ الجبال الشَّاهقهْ
في مشهَدِ الغابِ الكئيبِوفي الورود العاويهْ
في ظُلْمَةِ اللَّيل الحزينوفي الكُهوف العاريهْ
أَعَرفتَ هذا القلبَ فيظلماءِ هاتيكَ اللُّحُودْ
هوَ قلبُ أُمِّكَأُمِّكَ السَّكْرَى بأَحزانِ الوُجُودْ
هو ذلك القلبُ الَّذيسيَعيشُ كالشَّادي الضَّريرْ
يشدو بشكوَى حزنِهِ الدَّاجيإلى النَّفَسِ الأَخيرْ
لا ربَّةُ النِّسيانِ ترحمُحُزْنَهُ وترى شقاهْ
كلاّ ولا الأَيَّامُ تُبْليي أَنامِلِها أَساهْ
إلاَّ إِذا ضَفَرَتْ لهُالأَقدارُ إكليلَ الجنونْ
وغدا شقيًّا ضاحكاًتلهو بمرآهُ السُّنُونْ
هو ذلكَ القلبُ الَّذيمهما تقلَّبَتِ الحَيَاةْ
وتدَفَّعَ الزَّمَنُ المُدَمْدِمُفي شِعابِ الكائناتْ
وتَغَنَّتِ الدُّنيا وغرَّدَبلبلُ الغَاب الجميلْ
سَيَظَلُّ يعبُدُ ذكرياتِكِلا يَمَلُّ ولا يَميلْ
كالأَرض تمشي فوق تُرْبَتِهاالمسرَّةُ والشَّبابْ
واللَّيلُ والفجرُ المجنَّحُوالعواصفُ والسَّحَابْ
والحبُّ تَنبتُ في مواطِنِهِالشَّقائِقُ والورودْ
والموتُ تُحْفَرُ أَينمايخطو المقابرُ واللُّحودْ
وتمرُّ بَيْنَ فجاجها اللَّذَّاتُحالمةً تميدْ
سكرى وأَشواقُ الوَرَىترنو إلى الأُفُقِ البعيدْ
وتَظَلُّ ترقُصُ للأَسىللَّهْوِ أَشباحُ الدُّهُورْ
حتَّى يُواريها ضَبابُ الموتِفي وادي الدُّثورْ
وتَظَلُّ تُورِقُ ثمَّ تُزْهِرُثمَّ يَنْشُرُها الصَّباحْ
للموتِ للشَّوكِ الممزَّقِللجداولِ للرِّياحْ
بَسَماتُ ثَغْرٍ حالِمٍيفترُّ في سَهْوِ السُّرورْ
وَوُرودُ روضٍ باسِمٍيُصغي لأَلحانِ الطُّيورْ
وتظلُّ تخفقُ ثمَّ تشدُوثمَّ يطويها التُّرابْ
قُبَلٌ وأَطيارٌ تُغَرِّدُللحياةِ وللشَّبابْ
وتظلُّ تمشي في جِوارِالموتِ أَفراحُ الحَيَاةْ
ويغرِّدُ الشُّحرورُ مَابَيْنَ الجَماجِمِ والرّفاتْ
والأَرضُ حالمةٌ تغنِّيبَيْنَ أَسرابِ النُّجُومْ
أُنشودَةَ الماضي البعيدِوسُورَةَ الأَزَلِ القديمْ