📜 قصيدة لـ االياس فياض📚 مؤلف
هذه قصةٌ جرت لنسيم الروض فيما مضى من الأزمانِ
وردت في كتابِ سحرٍ قديمٍخطَّه فكرُ ساحر شيطانِ
لم يكن قادراً على فهم معناهُ سوى شاعرٍ لعوب المعاني
وُجد الشعرُ حينما وُجدَ السحر شقيقين ليس يفترقانِ
قيل إِن النسيم قد كان يوماًيتمشَّي على رُبى لبنانِ
هائِماً لا يقرُّ منهُ قرارمن مكانٍ يميلُ نحو مكانِ
تارةً يلثم الزهور وطوراًيرتمي في معاطفِ الأغصانِ
إِذ أَتى منزلاً قديماً لشيخٍمن شيوخِ القرى رفيع الشانِ
فانبرى داخلاً إليهِ من الكوةِ وثباً منغير ما استئذانِ
حيث بنتٌ للشيخ تغزل صوفاًوهي في مأمن من الحدثانِ
تغزلُ الصوف كفُّها ولها جفنانِ بالسحر والهوى غزِلانِ
عبثَ الزائِرُ الجريءُ بشعرٍناعمٍ فوق رأسها الفَتانِ
فتدلَّت اطرافهُ الشقرُ من فوقِ جفونٍ سودٍ وخدٍّ قانِ
ورأَى ذل النسيمُ جمالاًما رآهُ من قبل في إنسانِ
فغدا شاخصاً إليها مُديماًنحوها نظرة الفتى الحيرانِ
ذلك الأهوَجُ الخفيفُ المرائيالقليلُ الثَباتِ في كل شانِ
فاضحُ العاشقين ناشرُ اسرارالهوى بين كلّ قاصٍ ودانِ
اصبح الآن بابنة الشيخ صبّاًمستهاماً بحبها متفاني
عاشق لا يُرى ويكفيهِ منهاان يراها في كل حالٍ وآنِ
حيث كانت يكونُ في البيت او في الروض بين النسرين والريحانِ
همُّهُ كل همِّهِ أن يراهافي سرورٍ وغبطةٍ وأَمانِ
جاعلاً نفسه كما تشتهي حراً فبرداًعلى اختلافِ الزمانِ
فإذا الليلُ كان ليلَ شتاءٍيخِزُ البردُ فيه وخز السنانِ
صار حالاً إلى هواءٍ لطيفٍفاترٍ وفقَ نسبةِ الميزانِ
وإِذا اليومُ كان يوماً شديداًيلذعُ الحرَّ فيه كالنيرانِ
جاءها من ذرى الجبال بنفحٍمنعشِ الروح منعشِ الجثمانِ
وإِذا استشعر انقباضاً بها يوماً مضى مسرعاً إلى البستانِ
وأتاها من الطيور الشواديبأَرقِّ الأنغامِ والأَلحانِ
وإِذا الفصلُ كان فصلَ خريفٍوغدا الروضُ مثل وجه العاني
وخلا خدرُها من الزهرِ من وردٍ ومن نرجسٍ ومن اقحوانِ
سار خلف الفراش في الحقل يجديه كما تُجتنى زهورُ الجنانِ
وأتاها منه بباقاتٍ حسنٍزاهياتٍ بأَجملِ الأَلوانِ
من عقيقٍ ولا زوردٍ وياقوتٍ وتبرٍ وأَبيضٍ كالجمانِ
تتجارى في خدرها طائراتٍلامعاتِ الجناح كالعقيانِ
وإِذا كان في يديها كتابٌدرسه محوجٌ إلى الإِمعانِ
وانتهت من قراءة الوجه منهثمَّ همت بدرسٍ وجه ثانِ
فتراهُ بنفخَةٍ قَلَبَ الوجهَفليست تحتاجُ مدَّ البنانِ
ولكم وقفةٌ له ليس تُنسىعند ذاك السرير ذي الأركانِ
وقد استحوذ النعاسُ عليهاوتولّى الكرى على الأجفانِ
يجتلي حسنَ معصمين أَضاءافوق ملموم صدرها الملان
ولكم زحزح الستار وأدنىثغره فوق ثغرها الظمآن
فرواها كما ارتوى دون أنتخجل منه وليس بالخجلان
هكذا عاش في هواها زماناًناعمَ البال خاليَ الأَشجانِ
حاسباً أنَّ للصفاء دواماًهل دوام الصفاءِ بالإمكانِ
ودِّعِ الحبَّ يا نسيمُ فقد جاءَك خصمٌ أَقوى إلى الميدانِ
جاءُ من يخطبُ الفتاةَ فتىً فيعصرهِ كان أجهَلَ الفتيانِ
ما له ميزةٌ على غيرهِ إِلا مبمالٍ يفيض كالغدران
غرَّها كثرَة الحلي فمالتوقديماً تهوى الحليَّ الغواني
رضيَتهُ بعلا فواخيبةَ الآمالِ من ذلك المحبّ العاني
آه مهما يكُ النسيمُ لطيفاًطيِّبَ النشرِ عاطرَ الأردانِ
ما الذي يستطيعهُ دون مالوحُلّيٍ بهيَّة اللمعانِ
لهفَ قلبي عليهِ بعد مزيدِالعزِّ يمسي في ذلّة وهوان
واقفاً خلف كوَّة البيت يشكوبأَنينٍ كأَنَّة الثكلانِ
ولهُ كالحمامِ حيناً هديلٌوفحيحٌ حيناً كما الافعوانِ
ولكم حدَّثَتهُ بالشرِّ نفسٌما لها بالشرور قبلُ يدانِ
فابتغى ان يصيرَ عاصفَ ريحٍهداماً بيتها على السكان
وللإدن وافتِ الكنيسةَ بالموكب تبغي إتمامَ عقدِ القرانِ
عيلَ صبراً فثارَ ثورةَ ليثٍوأَثارَ الغبارَ ملءَ العيانِ
وانبرى للشموع يطفئها غيظاً ولم يحترم جلالَ المكانِ
زاد حقداً فرامَ تجفيف ما في الكاس حتى تبقى بلا قربان
ومديرُ الناقوس مما اعتراهُأَسمَعَ الناسَ دقَّةَ الاحزانِ
كلُّ هذا لم يُجدِ نفعاً وتمَّ العرسُ رغماً عن ذلك الهيجانِ
فمضى هائماً على وجههِ والصدرُيغلي بالحقدِ كالبركان
ساحَ في الأَرضِ مستغيثاً ملوك الريح من كلّ صادقٍ معوانِ
بين هَيفٍ وزَعزَعٍ ودَروجٍوسمومٍ وعاصفٍ مرنانِ
ثم وافى من بعد عامين في جيشخضمٍّ يموجُ كالطوفانِ
يزرعُ الرُعبَ في البلادِ ويكسوهوله الشيب مفرَقَ الشبّانِ
خارباً في طريقهِ كلَّ ما مرَّعليهِ من عامرِ البلدانِ
وصلَ البيتَ وهو يحسبُ أَن يُدرِيهُ في الفضاء مثلَ الدخانِ
إذ يرى في جوانب الدارِ مهداًفيهِ طفلٌ يبكي بغير بيانِ
ولدى الطفل امُّهُ وهي من خوفٍ عليه شديدةُ الرجفانِ
فتلاشت قواهُ وانتصرَ الحبُّعليهِ والحبُّ ذو سلطانِ
فجثا قرب طفلها آخذاً عنها يهزُّ السريرُ كالغلمانِ