📜 قصيدة لـ ممحمود سامي البارودي📚 مؤلف نهضوي
رُدُّوا عَلَيَّ الصِّبَا مِنْ عَصْرِيَ الْخَالِيوَهَلْ يَعُودُ سَوَادُ اللّمَّةِ الْبَالِي
مَاضٍ مِنَ الْعَيْشِ مَا لاحَتْ مَخَايِلُهُفِي صَفْحَةِ الْفِكْرِ إِلا هَاجَ بَلْبَالِي
سَلَتْ قُلُوبٌ فَقَرَّتْ في مَضَاجِعِهَابَعْدَ الْحَنِينِ وَقَلْبِي لَيْسَ بِالسَّالِي
لَمْ يَدْرِ مَنْ بَاتَ مَسْرُوراً بِلَذَّتِهِأَنِّي بِنَارِ الأَسَى مِنْ هَجْرِهِ صَالِي
يَا غَاضِبينَ عَليْنَا هَلْ إِلَى عِدَةٍبِالْوَصْلِ يَوْمٌ أُنَاغِي فِيهِ إِقْبَالِي
غِبْتُمْ فَأَظْلَمَ يَوْمِي بَعْدَ فُرْقَتِكُمْوَسَاءَ صُنْعُ اللَّيَالِي بَعْدَ إِجْمَالِ
قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُنِي مِنْكُمْ عَلَى ثِقَةٍحَتَّى مُنِيتُ بِمَا لَمْ يَجْرِ فِي بَالِي
لَمْ أَجْنِ فِي الْحُبِّ ذَنْبَاً أَسْتَحِقُّ بِهِعَتْبَاً وَلَكِنَّهَا تَحْرِيفُ أَقْوَالِ
وَمَنْ أَطَاعَ رُوَاةَ السُّوءِ نَفَّرَهُعَنِ الصَّدِيقِ سَمَاعُ الْقِيلِ وَالْقَالِ
أَدْهَى الْمَصَائِبِ غَدْرٌ قَبْلَهُ ثِقَةٌوَأَقْبَحُ الظُّلْمِ صَدٌّ بَعْدَ إِقْبَالِ
لا عَيْبَ فِيَّ سِوَى حُرِّيَّةٍ مَلَكَتْأَعِنَّتِي عَنْ قَبُولِ الذُّلِّ بِالْمَالِ
تَبِعْتُ خُطَّةَ آبَائِي فَسِرْتُ بِهَاعَلَى وَتِيرَةِ آدَابٍ وَآسَالِ
فَمَا يَمُرُّ خَيَالُ الْغَدْرِ فِي خَلَدِيوَلا تَلُوحُ سِمَاتُ الشَّرِّ فِي خَالِي
قَلْبِي سَلِيمٌ وَنَفْسِي حُرَّةٌ وَيَدِيمَأْمُونَةٌ وَلِسَانِي غَيْرُ خَتَّالِ
لَكِنَّنِي فِي زَمَانٍ عِشْتُ مُغْتَرِبَاًفِي أَهْلِهِ حِينَ قَلَّتْ فِيهِ أَمْثَالِي
بَلَوْتُ دَهْرِي فَمَا أَحْمَدْتُ سِيرَتَهُفِي سَابِقٍ مِنْ لَيَالِيهِ وَلا تَالِي
حَلَبْتُ شَطْرَيْهِ مِنْ يُسْرٍ وَمَعْسرَةٍوَذُقْتُ طَعْمَيْهِ مِنْ خِصْبٍ وَإِمْحَالِ
فَمَا أَسِفْتُ لِبُؤْسٍ بَعْدَ مَقْدرَةٍوَلا فَرِحْتُ بِوَفْرٍ بَعْدَ إِقْلالِ
عَفَافَةٌ نَزَّهَتْ نَفْسِي فَمَا عَلِقَتْبِلَوْثَةٍ مِنْ غُبَارِ الذَّمِّ أَذْيَالِي
فَالْيَوْمَ لا رَسَنِي طَوْعُ الْقِيَادِ وَلاقَلْبِي إِلَى زَهْرَةِ الدُّنْيَا بِمَيَّالِ
لَمْ يَبْقَ لِي أَرَبٌ فِي الدَّهْرِ أَطْلُبُهُإِلا صَحَابَةُ حُرٍّ صَادِقِ الْخَالِ
وَأَيْنَ أُدْرِكُ مَا أَبْغِيهِ مِنْ وَطَرٍوَالصِّدْقُ فِي الدَّهْرِ أَعْيَا كُلَّ مُحْتَالِ
لا فِي سَرَنْدِيبَ لِي إِلْفٌ أُجَاذِبُهُفَضْلَ الْحَدِيثِ وَلا خِلٌّ فَيَرْعَى لِي
أَبِيتُ مُنْفَرِدَاً فِي رَأْسِ شَاهِقَةٍمِثْلَ الْقَطَامِيِّ فَوْقَ الْمِرْبَإِ الْعَالِي
إِذَا تَلَفَّتُّ لَمْ أُبْصِرْ سِوَى صُوَرٍفِي الذِّهْنِ يَرْسُمُهَا نَقَّاشُ آمَالِي
تَهْفُو بِيَ الرِّيحُ أَحْيَانَاً وَيَلْحَفُنِيبَرْدُ الطِّلالِ بِبُرْدٍ مِنْهُ أَسْمَالِ
فَفِي السَّمَاءِ غُيُومٌ ذَاتُ أَرْوِقَةٍوَفِي الْفَضَاءِ سُيُولٌ ذَاتُ أَوْشَالِ
كَأَنَّ قَوْسَ الْغَمَامِ الْغُرِّ قَنْطَرَةٌمَعْقُودَةٌ فَوْقَ طَامِي الْمَاءِ سَيَّالِ
إِذَا الشُّعَاعُ تَرَاءَى خَلْفَهَا نَشَرَتْبَدَائِعَاً ذَاتَ أَلْوَانٍ وَأَشْكَالِ
فَلَوْ تَرَانِي وَبُرْدِي بِالنَّدَى لَثِقٌلَخِلْتَنِي فَرْخَ طَيْرٍ بَيْنَ أَدْغَالِ
غَالَ الرَّدَى أَبَوَيْهِ فَهْوَ مُنْقَطِعٌفِي جَوْفِ غَيْنَاءَ لا رَاعٍ وَلا وَالِي
أُزَيْغِبَ الرَّأْسِ لَمْ يَبْدُ الشَّكِيرُ بِهِوَلَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ مِنْ كَيْدِ مُغْتَالِ
كَأَنَّهُ كُرَةٌ مَلْسَاءُ مِنْ أَدَمٍخَفِيَّةُ الدَّرْزِ قَدْ عُلَّتْ بِجِرْيالِ
يَظَلُّ فِي نَصَبٍ حَرَّانَ مُرْتَقِباًنَقْعَ الصَّدَى بَيْنَ أَسْحَارٍ وَآصَالِ
يَكَادُ صَوْتُ الْبُزَاةِ الْقُمْرِ يَقْذِفُهُمِنْ وَكْرِهِ بَيْنَ هَابِي التُّرْبِ جَوَّالِ
لا يَسْتَطِيعُ انْطِلاقاً مِنْ غَيَابَتِهِكَأَنَّمَا هُوَ مَعْقُولٌ بِعُقَّالِ
فَذَاكَ مِثْلِي وَلَمْ أَظْلِمْ وَرُبَّتَمَافَضَلْتُهُ بِجَوَى حُزْنٍ وَإِعْوَالِ
شَوْقٌ وَنَأْيٌ وَتَبْرِيحٌ وَمَعْتَبَةٌيَا لَلْحَمِيَّةِ مِنْ غَدْرِي وَإِهْمَالِي
أَصْبَحْتُ لا أَسْتَطِيعُ الثَّوْبَ أَسْحَبُهُوَقَدْ أَكُونُ وَضَافِي الدِرْعِ سِرْبَالِي
وَلا تَكَادُ يَدِي تُجْرِي شَبَا قَلَمِيوَكَانَ طَوْعَ بَنَانِي كُلُّ عَسَّالِ
فَإِنْ يَكُنْ جَفَّ عُودِي بَعْدَ نَضْرَتِهِفَالدَّهْرُ مَصْدَرُ إِدْبَارٍ وَإِقْبَالِ
عَلامَ أَجْزَعُ وَالأَيَّامُ تَشْهَدُ لِيبِصِدْقِ مَا كَانَ مِنْ وَسْمِي وَإِغْفَالِي
رَاجَعْتُ فِهْرِسَ آثَارِي فَمَا لَمَحَتْبَصِيرَتِي فِيهِ مَا يُزْرِي بِأَعْمَالِي
فَكَيْفَ يُنْكِرُ قَوْمِي فَضْلَ بَادِرَتِيوَقَدْ سَرَتْ حِكَمِي فِيهِمْ وَأَمْثَالِي
أَنَا ابْنُ قَوْلِي وَحَسْبِي فِي الْفَخَارِ بِهِوَإِنْ غَدَوْتُ كَرِيمَ الْعَمِّ والْخَالِ
وَلِي مِنَ الشِّعْرِ آيَاتٌ مُفَصَّلَةٌتَلُوحُ فِي وَجْنَةِ الأَيَّامِ كَالْخَالِ
يَنْسَى لَهَا الْفَاقِدُ الْمَحْزُونُ لَوْعَتَهُوَيَهْتَدِي بِسَنَاهَا كُلُّ قَوَّالِ
فَانْظُرْ لِقَوْلِي تَجِدْ نَفْسِي مُصَوَّرَةًفِي صَفْحَتَيْهِ فَقَوْلِي خَطُّ تِمْثَالِي
وَلا تَغُرَّنْكَ فِي الدُّنْيَا مُشَاكَلَةٌبَيْنَ الأَنَامِ فَلَيْسَ النَّبْعُ كَالضَّالِ
إِنَّ ابْنَ آدَمَ لَوْلا عَقْلُهُ شَبحٌمُرَكَّبٌ مِنْ عِظَامٍ ذَاتِ أَوْصَالِ
